مساحه حره (295)

لا يوجد ديكتاتور على مر التاريخ يكون على وئام مع الثقافة والمثقفين، ولا العلم والتعليم، ولا أي أداة تنشر الوعي بين الناس؛ لأن هذا كله ضد صناعة الديكتاتورية، فالجهل والغوغائية هي الأداة السهلة والرخيصة والسريعة لصناعة الوثنية السياسية، في أي مكان وأي زمان؛ لذلك تكون معركة الوعي والثقافة والعلم هي إحدى أهم المعارك الكبرى التي يتوجب أن يخوضها كل مهموم بصناعة المستقبل وترسيخ الحقوق والحريات العامة وكرامة الإنسان.

هذا الأسبوع، كان الرئيس الفرنسي الشاب "إيمانويل ماكرون" في اجتماع للأساقفة، فأخذته النشوة لتعزيز موقعه وترسيخ مكانته بمغازلة الكنيسة ورجال الدين، فتحدث طويلا عن أهمية العلاقة بين الكنيسة والدولة، ورغبته الصادقة في إصلاح العلاقة التي وصفها بالمكسورة، بين الكنيسة والدولة، وأن "إصلاح" هذه العلاقة لا بد أن يتم عبر حوار حقيقي، ثم قال: إن رئيس الجمهورية الذي يزعم أنه لا يكترث للكنيسة أو الكاثوليك يقصر في واجباته تجاه الوطن.

ماكرون فرغ من كلامه هذا، وكما يقول العامة في بلادنا : عينك ما تشوف إلا النور، حملة عاتية من الهجوم عليه وشرشحته وتسخيف عقله واتهامه بالجهل بالدستور والقانون وبالانتهازية السياسية ومغازلة رجال الدين من أجل كسب سياسي رخيص، وقال أحد قادة الأحزاب السياسية اليسارية معلقا : "ماكرون كان في قمّة الهذيان الميتافيزيقي الذي لا يُحتمل. لقد انتخبنا رئيساً ولكننا نسمع الآن مساعد راهب".

الانتفاضة الفرنسية العارمة ضد رئيس الجمهورية لمجرد بضع كلمات قالها على سبيل المجاملة لرجال الدين وللمؤسسة الدينية، تكشف عن وعي مبكر لمآلات مثل هذا الكلام إذا لم يتم وأده في مهده، وإذا لم يتم التصدي له بكل قوة، لأنه يهدم أسس الدولة الفرنسية التي أثمرت مكتسبات حقوق الإنسان وضمانات الحريات العامة والتعددية السياسية والتداول السلمي للسلطة، بعيدا عن المتاجرة بالدين أو الوصاية على السلطة من قبل المؤسسات الدينية أو توظيفها سياسيا، وتم قمع "شهوة" الرئيس الفرنسي مبكرا وإعطائه ـ ومن بعده ـ درسا في أن لا يستغفل المواطنين، ولا يلعب هذه اللعبة في بلد متحضر ومستنير وحر.

لعبة الدين والدولة تم توظيفها في العالم الثالث بكثافة من قبل النظم السياسية المختلفة، وكنت ترى أكثر النظم ديكتاتورية وقمعا أكثرهم حرصا على إظهار الاحترام لمشاعر الدين ورجال الدين بل والنص على دين الدولة في دستور البلاد، رغم أن الدساتير كلها لا تحترم عادة بكل نصوصها، ولكنه نوع من دغدغة المشاعر الروحية للمواطنين، خاصة عند انتشار الجهل وغياب الوعي، وتعويضهم عن فقد الكرامة والحرية والمشاركة السياسية بإنعاش عواطفهم الدينية ومنحها شيئا من الرضى والراحة النفسية، بل كثيرا ما تجد النظم السياسية في العالم الثالث تلجأ إلى رجال الدين ليكونوا أحد أدوات القمع المعنوي والروحي التي يستخدمها النظام السياسي لقهر أي دعوات معارضة أو استعداء العوام على أصحابها، ولذلك تحرص النظم السياسية في العالم الثالث على أن تكون المساجد والمؤسسات الدينية تحت هيمنتها وتوجيهها وسيطرتها الكاملة والحصرية؛ لأنها لا تقل خطورة وأهمية عن وسائل الإعلام أو حتى عن أجهزة الأمن والسيطرة.

ومن دون شك فإن العلمانية المحايدة، وليست المتطرفة، كانت سببا في حماية الشعوب الغربية من تغول السلطة ومن ترسخ القمع والاستبداد، وكانت سببا حاسما في حماية الحريات الفردية وكرامة الإنسان وفرض المساواة في المجتمع، لأنها حرمت الحاكم من أخطر أدوات السيطرة لديه، الكهنوت الديني، وأزاحت عن كاهل الشعوب تحديا خطيرا لطالما كان يأسرهم ويقهرهم ويمكن السلطة من رقابهم ومن ضمائرهم، وكثيرا ما ترى النظم القمعية في العالم الثالث علمانية في كل شيء، إلا في هذه المسألة، مسألة المؤسسات الدينية، فتكون استثناء وتبدو حينها كأنها دولة دينية ثيوقراطية.

في الفكر الإسلامي والتجربة الإسلامية لا توجد "كنيسة" كما لا توجد مؤسسة دينية كهنوتية، وبالتالي فكرة العلمانية لم تكن مطروحة في السياق الحضاري الإسلامي، لأن وجه الخطر فيها غير مطروح، وكان الفقهاء والعلماء لهم حريتهم وفضاؤهم الواسع المباشر مع الناس، ولهم موقعهم المتباعد عن السلطة، بل هناك أدبيات كثيرة في التراث الإسلامي تحذر من اقتراب العالم من السلطان، غير أن ظهور الدولة القومية الحديثة، أنهى هذه الاستقلالية، وأنتج في دول العالم الثالث المسلمة ظاهرة المؤسسة الدينية وما يشبه الكهنوت الديني الذي يخضع لسيطرة السلطة وتستخدمه السلطة لتعزيز هيمنتها وقهرها للناس، وهو الأمر الذي يستوجب اجتهادا جديدا وشجاعا في الفكر الإسلامي، لرفع الإصر عن الناس، وتحريرهم من هذا "الكهنوت" الديني المبتدع، والذي يعوق تطلعات الشعوب للحرية والكرامة والنهوض. 

المصريون المصرية

  

منذ فترة  بدأت حملة في إيران للمطالبة بمقاضاة المسؤولين عن مجزرة ثلاثين ألفاً من السجناء السياسيين من مجاهدي خلق في العام 1988.

فور انتهاء الحرب الإيرانية العراقية ،أصدر خميني فتوى بخط يده، وأمر بإعدام جميع أعضاء مجاهدي خلق، الذين كانوا في السجون. ومن أجل تنفيذ هذه الفتوى تشكّلت « لجان الموت» في طهران وفي مختلف مناطق إيران، وأعدمت خلال أشهر أكثر من ثلاثين ألفاً من السجناء السياسيين، كانت أغلبيتهم الساحقة من مجاهدي خلقومعظم أعضاء لجان الموت أحياء ويتبوؤن مناصب عالية في نظام ولاية الفقيه في الوقت الحالي. وكان جميع المسؤولين في النظام من خامنئي ورفسنجاني وروحاني وخاتمي وغيرهم متورطين في هذه الجريمة الكبرى.

كما أن وزير العدل في حكومة روحاني سابقاً مصطفي بور محمدي كان عضو لجنة الموت في طهران، والوزير الحالي له علي رضا آوا‌ئي أيضا كان عضواً في لجنة الموت في مدينة دزفول. استطاع نظام الملالي خلال 28 عاماً عبر وضع خطوط حمر، أن يفرض الصمت والتعتيم على أكبر مجزرة ضد السجناء السياسيين بعد الحرب العالمية الثانية. فبقيت هذه الجريمة الكبرى ضد الإنسانية في دائرة التعتيم العام داخل إيران؛ حيث لم يتجرأ أحد أن يتحدث عنها وإلا عليه أن يدفع ثمنا باهظاً. في العام 1998 كتبت صحيفة «آريا» خبراً بسيطاً بشأن هذه المجزرة جاء فيه أن محمد خاتمي، رئيس جمهورية النظام آنذاك، كان من مؤيدي تنفيذ فتوى خميني لإعدام السجناء. فإذا بخاتمي شخصه أمر بإغلاق هذه الصحيفة إلى الأبد.

خلال العام الماضي، وفي ذكرى تلك المجزرة حصل تطوّر كبير في هذا المجال، حيث تجاوب المجتمع الإيراني مع دعوة السيدة مريم رجوي إلى حملة وطنية لمقاضاة مرتكبي هذه الجريمة. وبعدها بأسابيع تم كشف النقاب عن تسجيل صوتي، ومحضر لقاء تم في خضمّ الإعدامات الجماعية في صيف عام 1988 بين آية الله منتظري، الخليفة المعين لخميني آنذاك، وأعضاء «لجنة الموت» في طهران. أي المجموعة المكوّنة من أربعة أشخاص، منهم إبراهيم رئيسي المرشح المفضّل لخامنئي في انتخابات الرئاسية الأخيرة، الذين نفّذوا قرار خميني بإعدام آلاف من السجناء في سجني إيفين وجوهردشت بطهران العاصمة.

بعد هذين الحدثين، تحدّى أبناء الشعب وأعضاء شبكات المقاومة حاجز الخوف وبدأوا بكتابة الشعارات على جدران الشوارع في طهران والمحافظات مطالبين بمحاكمة المتورّطين في هذه الجريمة. عوائل الشهداء تحرّكوا لتقديم معلومات جديدة عن أعضاء لجان الموت في مختلف مناطق إيران وللتعرّف على المقابر الجماعية وأرسال المزيد من أسماء الضحايا.

المحسوبين على النظام اتخذوا مواقف متباينة. بعض منهم من أمثال أحمد خاتمي إمام الجمعة المنصوب من قبل خامنئي في طهران، بارك في خطبته لمرتكبي هذه المجازر لأنهم أنقذوا النظام، وذهب بعيداً، وقال: يجب إعطاء أوسمة للجزّارين! كما أن إبراهيم رئيسي صرّح أنه فخور لما عمل ضد «المنافقين» في تلك الفترة!
لكن البعض الآخر من أمثال على مطهري نائب رئيس مجلس شورى النظام، قال: إذا حصلت أخطاء فيجب الاعتذار منها وتقديم تعويضات للعوائل.

وبذلك حدث شرخ كبير داخل مؤسسة الملالي ونسبة كبيرة منهم لم يؤيدوا فتوى خميني والمجازر التي كانت حصيلة الفتوى. وبلغ التناقض ذروته في انتخابات الرئاسة حيث فشل خامنئي أن يفرض مرشّحه إبراهيم رئيسي على جميع أجنحة الحكم.

لكن الشيء الذي يخاف منه الملالي كثيرا باستمرار هو مطالبة الجيل الجديد بمقاضاة مرتكبي مجزرة عام 1988. وكتبت منظمة العفو الدولية قبل فترة أن الجيل الذي تولّد بعد الثورة ضد الشاه يطالب اليوم بالتحقيق حول مجزرة عام 1988. وإذا تابعنا الخطوات الكبيرة التي تم اتخاذها على الصعيد الدولي في هذا المجال يمكن فهم سبب خوف الملالي الحاكمين في إيران من هذه التطورات. وأقصد تركيز المقرّرة الخاصة بحقوق الإنسان في إيران الفقيدة عاصمة جهانغير في تقريرها المقدّم إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة العام الماضي على تسلّمها رسائل عديدة من داخل إيران من عوائل الشهداء تطلب منها العمل في هذا المجال. كما أن الأمين العام للأمم المتحدة أيضا تطرق لهذا الموضوع في تقريره إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة في أواخر العام الماضي.

وكانت أن هناك نشاطات واسعة على مختلف الأصعدة من إصدار كتب وتقارير وإقامة معارض وكتابة مقالات في الصحف وغيرها من النشاطات خارج إيران التي تأتي لتشجيع أبناء الشعب الإيراني في وضع سوآل كبير أمام قادة النظام. خاصة إذا عرفنا أن معظم المسؤولين الكبار في هذا النظام من الملالي وقادة الحرس كانوا متورطين في ارتكاب تلك الجريمة.

وتحدث علي أكبر ناطق نوري عن هذا الموضوع وقال: «أحفاد الجيل الأول والجيل الثاني جاؤوا ويقولون لنا إنهم [السجناء السياسيين] كانوا معتقلين لديكم. أما قمتم بمحاكمتهم؟ ألم يكونوا سجناء؟ كانوا محكومين بالسجن وكانوا داخل السجون. فلما ذا بعد ذلك أعدمتم هؤلاء الذين كانوا أسرى بأيديكم؟ هذا الموضوع تحوّل إلى تساؤل الجيل الجديد. نعم في الشارع وفي الجامعات يعرضون هذا السؤال، ويقولون لماذا؟» ولما نظرنا إلى خلفية ناطق نوري، وأنه كان أحد كبار مسؤولي هذا النظام حيث كان رئيس مجلس شورى النظام لدورتين، وكان رئيس دا‌ئرة التفتيش في مكتب خامنئي وعضو مجلس تشخيص مصلحة النظام و… يمكن فهم مغزى طرحه لهذا الموضوع. وتطرّق كبار المسؤولين في النظام إلى هذا الموضوع يشير إلى أنهم في مشكلة كبيرة.

وتبيّن في الانتفاضة الأخيرة أن دماء هؤلاء الشهداء أصبحت زرعاً أنبتت سبع سنابل وفي كل سنبلة مائة حبّة والله يضاعف من يشاء والله واسع عليم. يعني أن ملايين من أبناء الشعب الذين انتفضوا وطالبوا بإسقاط نظام الملالي في الحقيقة كانوا مطالبين بمحاكمة قتلة الشهداء الثلاثين ألفا، الذين أعدموا في العام 1988، كما أن ألف معقل للنضال والكفاح أيضاً سيتابعون هذا الموضوع حتى النتيجة.

فهل هذا معناه أن الجيل الجديد لا يمكن أن يهدأ إلا عند مشاهدة محاكمة ومعاقبة مرتكبي هذه الجريمة الكبري، التي وصفتها العديد من كبار الهيئات الدولية المدافعة عن حقوق الإنسان بأنها كانت جريمة ضد الإنسانية؟ نتمنى ذلك من جراء سقوط نظام ولاية الفقيه وإقامة إيران حرة ديمقراطية مسالمة، حتى تقوم بمحاكمة هؤلاء المجرمين في محاكمة عادلة مستقلة وعلى أساس المعايير والصكوك المذكورة في العهود والمواثيق الدولية.

 

* رئيس لجنة القضاء في المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية

لا يختلف الأردنيون على «تشخيص» جملة التهديدات والتحديات التي تجبههم في هذه المرحلة، وإن كانوا يختلفون على تقدير حجمها وأولوياتها... على أنهم ينقسمون على أنفسهم عند النظر إلى كيفية معالجتها والتصدي لها.
من دون التقليل من بقية التحديات والتهديدات الداخلية، وبالأخص الخارجية، تتصدر الضائقة الاقتصادية التي تعتصر الأردن والأردنيين، صدارة الاهتمامات والأولويات... «الأنباء الجيدة» حول هذا الموضوع، حتى الآن على الأقل، أن المواطن الأردني يتعامل بقدر عالٍ من الإحساس بالمسؤولية حيال هذه الأزمة، وهو ما زال يغلب أولوية الأمن والاستقرار على ما عداهما من أولويات... أما «الأنباء السيئة» حول الموضوع ذاته، فتتجلى في غياب أي أفق قريب للخروج من عنق الزجاجة.
مثل هذه الوضعية، ليست فريدة في تاريخ الأردن المعاصر... الضائقة الاقتصادية و»انهيار الدينار» وارتفاع المديونية إلى الناتج الإجمالي في العام 1989، ما زالت تجربة ماثلة في الأذهان... يومها أيضاً لم تكن هناك «حلولاً سحرية»، ولم يتملك صانع القرار على «عصا موسى»، يضرب بها البحر أو الصحراء، فتتفجر ينابيع الموارد والرخاء... يومها، وبقرار جريء وتاريخي، استدل جلالة المغفور له، على «حل سياسي» للأزمة الاقتصادية، مكن الأردن والأردنيين من اجتياز الأصعب، بأقل قدر من الخسائر، وبأعلى درجة من الاستقرار والهدوء، حين استجاب لنداءات الغاضبين والمحتجين في «هبة نيسان»، وقرر استئناف الحياة البرلمانية والحزبية في البلاد، مروراً بالميثاق الوطني و»شرعنة الأحزاب»، عطفاً على برلمان 1989 الاستثنائي في مكانته وسمعته الشعبية، وانتهاء بولوج عتبات مرحلة جديدة,.
من وحي تلك التجربة، التي تقترب ذكراها الثلاثين، نقترح البحث عن «حل سياسي» للضائقة الاقتصادية، التي قلنا ونقول، أنها باتت تُقرأ بمفردات «نظرية الأمن القومي» وليس بأرقام الاقتصاد الكلي والجزئي، من دون أن تساورنا الأوهام، بأن حلاً كهذا يمتلك قدرة سحرية على اجتراح المعجزات، أو أنه سيوفر للبلاد «عصا موسى» جديدة، لكنه بالقطع، سيمكن الأردن والأردنيين، من تعزيز جهاز مناعتهم المكتسبة، واجتياز هذا «القطوع» بأقل قدر من الخسائر، وبأعلى درجات الأمن والاستقرار والأمان، تماماً مثلما حصل قبل ثلاثة عقود.
إن أولى خطوات هذا «الحل السياسي» تقترح، تشكيل «هيئة ملكية» وازنة وممثلة، تعمل على بناء توافقات وطنية، صلبة وعريضة، بين مختلف الشرائح والفئات، الكيانات والمكونات، السياسية والاجتماعية، لإنتاج «ميثاق وطني جديد»، فالميثاق تقادم، وتجاوزته الأحداث، وبات وثيقة للتاريخ... ميثاق جديد، يستلهم الأوراق النقاشية السبع، وما جاءت به من رؤى وأفكار، لا أحسب أن كثيرٍا من «الإصلاحيين» في البلاد، يتطلع لأكثر منها أو زيادة عليها.
ميثاق وطني جديد، يرسم قواعد اللعبة، ويبني إجماعاً وطنياً حول منظومة الحقوق والواجبات «الفوق دستورية»، ويؤسس لمرحلة جديدة من استنهاض العمل الوطني والسياسي في البلاد... وهيئة ملكية تسهر على وضع رزنامة زمنية، لترجمة الأفكار التي استبطنتها الأوراق النقاشية، وكيفية نقلها إلى حيز التنفيذ.
ولعل نقطة البدء، في مشوار «الحل السياسي» المقترح، إنما تتمثل في الاتفاق على قانون انتخاب جديد، يخرج من عباءة الصوت الواحد المرذول، والأنظمة الانتخابية الهجينة التي لم تأت سوى ببرلمانات من ذات قماشة برلمانات الصوت الواحد وطرازها، لننتهي إلى برلمان قوي، قائم على التعديد السياسية والفكرية والبرامجية، وتنبثق عنه «ثاني حكومة برلمانية» في تاريخ البلاد... حكومة بسند شعبي صلب و»أكتاف عريضة»، قادرة على أن تشكل مع البرلمان المنبثقة عنه، «مصدات» قوية، تحمي النظام السياسي وتؤسس لقاعدة الاستقرار المستدام، وتتحمل مسؤولياتها في الاضطلاع بالملفات الكبرى التي تجبه البلاد والعباد، الآن، وفي قادمات الأيام، حيث تنتظرنا أصعب التحديات، من الغرب أساساً، وليس من الشمال والشرق فحسب... حكومة وبرلمان، قادران على قيادة الأردنيين لمواجهات تحديات الداخل والخارج، بعد أن تكونا قد جسّرتا فجوات الثقة العميقة

التي تباعدهما عن الشعب، وبما يضع نهاية لحالة «الغربة» بين المواطن والمسؤول

الغد.

لم يسبق للعرب في العصر الحديث ان التأموا كجرح يمتد بين محيط وخليج كما حدث هذه الايام في موقفهم من الولايات المتحدة، فهم بلا استثناء ضد مواقفها خصوصا في العمليات العسكرية الثلاثية على سوريا، وقد يبدو هذا الكلام حلم يقظة او ضربا من الهذيان السياسي، لكن الامر يتطلب على ما يبدو فك اشتباك بين مفاهيم تداخلت، واليكم التفصيل..
 فالعرب الذين غضبوا من امريكا وشجبوا عدوانها وتظاهروا واحرقوا اعلاما، كان سبب غضبهم هو استباحة اوطانهم وانتهاك سماواتها والنيل مما تبقى على قيد التاريخ من سيادتهم، ولدى هؤلاء من الاسباب والدوافع الوطنية ما يشهرونه كالسيوف في وجوه خصومهم الذين يقفون على الشاطىء الاخر.
والعرب الذين انتظروا بفارغ الصبر حملة عسكرية على غرار تلك التي اعادت العراق الى القرن التاسع عشر، كما قال الجنرال شوارتسكوف غضبوا من امريكا لأنها اكتفت بعملية عابرة دامت اقل من ساعة فقط، والمطلوب بل المرجو من واشنطن ومايسترو التغريدات الطريفة والكوميدية احيانا هو تكرار ما حدث في العراق وفي الموعد ذاته..، فالولايات المتحدة وبريطانيا تتمتعان بذاكرة تحفظ التقاويم بدقة، اما العرب فقد اصابتهم نوبة من الزهايمر السياسي لهذا لم يربطو بين التاسع من نيسان عام 2003 والتاسع منه وما اعقبه من الايام الثلاثة عام 2018، ولم يربطوا ايضا بين موعد نقل السفارة الامريكية الى القدس في الرابع عشر     من ايام هذا العام، وبين هذا التاريخ عام 1948 .
ان ما يحدث لنا هو تنكيل بعد القتل، وسلخ للشاة والبعير معا بعد الذبح، لهذا فالحصانة ضد الالم بلغت حد التّمسحة!!

 

كل الأطراف تتحدث باسم القانون الدولى، بينما القانون هو الغائب الرئيسى فى مجلس الأمن والأمم المتحدة، سواء فيما يتعلق بسوريا أو فلسطين أو غيرها من القضابا العربية

السائد هو قانون القوة الذى تفرضه الدول الكبرى، فرضته الولايات المتحدة عندما أفشلت قرار مجلس الأمن برفض قرار الرئيس الأمريكى بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس، وهددت مندوبة الولايات المتحدة الدول التى تعارض إرادة أمريكا المنفردة بأنها سوف توضع فى قائمة الخصوم، لهذا لا يبدو دفاع المندوبة الأمريكية عن القانون الدولى مقنعا وهى تدعو لقرار أمريكى بتشكيل آلية للتحقيق فى الكيماوى بسوريا

وفى المواجهة ترفع روسيا الفيتو لإفساد مشروع القرار الأمريكى، وتتقدم بمشروع قرار بتشكيل آلية تحقيق من مجلس الأمن، وطبيعى أن يتواجه الفيتو الأمريكى مع نظيره الروسى لتظهر ملامح الجبهة الجديدة التى انتقلت إليها الحرب من أوروبا إلى الشرق الأوسط ويظل الغموض محيطا بمصير الحرب التى يمكن أن تشنها الولايات المتحدة وحلفاءها الغربيين على سوريا لتضاعف من حجم الدمار الذى يعيشه السوريون طوال سبع سنوات

بريطانيا نقلت جبهة الحرب مع روسيا إلى سوريا، بعد أن خسرت جولة الجاسوس السابق سكريبال، ومعها فرنسا وبالطبع الولايات المتحدة لأن ترامب وجدها فرصة لاختبار لعبة النفوذ مع روسيا، وعلى العكس من قرار ترامب المفاجئ بسحب القوات الأمريكية من سوريا، بدت الهجمات الكيماوية سببا كافيا لبقاء القوات الأمريكية، وقد كانت الخارجية والاستخبارات الأمريكية تعارضان قرار سحب القوات من سوريا، وقدم لهم الكيماوى تأييدا لوجهة نظرهما

روسيا هى أحد أطراف الصراع فى سوريا، وصاحبة النفوذ الأكبر، لكن الولايات المتحدة تضع فى اعتبارها إيران، وسط توترات وتهديدات بإلغاء الاتفاق النووى أو تعديله بشروط جديدة، إيران حاضرة فى الجبهة السورية الروسية، وبالتالى فإن المواجهة فى سوريا متعددة الأطراف وأكثر تعقيدا مما قد يبدو على السطح، وصراع الفيتو المتبادل هو قمة الجبل الغاطس لصراع يزداد تعقيدا كلما بدا أنه فى سبيله إلى الحل

الجيش السورى بدعم من روسيا وإيران يتجه نحو حسم الكثير من المعارك وتحقيق انتصارات على الميليشيات التكفيرية لعشرات التنظيمات، ولهذا يبدو إخراج ورقة السلاح الكيماوى سيناريو مكرر سبق إظهاره ثلاث مرات خلال السنوات الساخنة للصراع

 

فى أغسطس 2013 تم توجيه اتهام للجيش السورى باستخدام الأسلحة الكيماوية ضد المدنيين فى الغوطة الشرقية بريف دمشق بناء على تقارير من منظمة الخوذات البيضاء التى نشرت صورا وفيديوهات، وهدد الرئيس الأمريكى وقتها باراك أوباما بضرب سوريا، وبعد حملات دولية اتهمت دمشق توصلت سوريا إلى اتفاق مع الأمم المتحدة للسماح لخبرائها بالتحقيق فى الاتهامات الموجهة إلى النظام باستخدام أسلحة كيماوية فى ريف دمشق

اللافت أن الاتهامات حول السلاح الكيماوى بالإثبات أو النفى تصدر منسوبة لأجهزة الاستخبارات الأمريكية والبريطانية والفرنسية والروسية، وهو نفس السجال الدائر والذى يبدو انه يتجه لتصعيد أمريكى واجواء يشبهها البعض بأجواء ماقبل الغزو الأمريكى لبغداد والذى تم خلال شهر إبريل قبل 15 عاما بمزاعم أسلحة الدمار الشامل التى لم تظهر ابدا واعترفت الأطراف المشاركة أنها لم تعثر على أثر للأسلحة الكيماوية أو النووية فى العراق

فى حالة سوريا فإن تقارير الكيماوى ارتبطت بمنظمة الخوذات البيضاء التى تمثل المصدر الدائم لتقارير الكيماوى، التى انتقلت إلى المنظمات الدولية، حيث تتواجه كل من واشنطن وموسكو بالفيتو ضمن صراع القرارات المتعارضة التى تعبر عن مصالح لأطراف متعددة فى الصراع على سوريا

وتشير التحركات الأخيرة للقوات الأمريكية والتنسيق مع بريطانيا وفرنسا أن الولايات المتحدة ربما لا تنتظر قرارات دولية ولجان تحقيق وقد تستبق بتوجيه ضربات إلى سوريا، وإيران بالطبع، ويظل رد الفعل الروسى حاكما فى لعبة النفوذ.

فهل تقتصر المواجهة بين موسكو وواشنطن على مجلس الأمن، أم أنها يمكن أن تتطور إلى ما هو أكبر من حرب باردة، خاصة أن هناك أطرافا أخرى موجودة فى الصراع بشكل واضح مثل إيران وحزب الله وتركيا وإسرائيل، وكل طرف منها له مصالح تدفعه إلى الانضمام إلى جهة من جبهات الصراع.

 

المصدر : اليوم السابع

 

قبل عام تقريباً، نشرت الأكاديمية إيرانية الأصل، خشوار رضوي، مقالاً نشرته مواقع رصينة عدة، بعنوان "المفقود في تعليم الإسلام". ورضوي أستاذ مشارك في تاريخ الفن والعمارة الإسلاميين في جامعة ييل الأميركية. وانطلقت الكاتبة من واقع أن الأميركيين يجهلون الإسلام لأن هناك نقصاً في تعليمه. ولذلك يعرفون عنه من التصويرات النمطية التي ينقلها الإعلام السائد عنه كدين عنيف، مجرد من الثقافة والتاريخ. وتقول: "المشكلة، مع ذلك، هي أن تعليم الإسلام ظل مقصوراً على التعريف بممارساته الدينية. أما تأثيراته على الفن والثقافة، خاصة في الولايات المتحدة، فنادراً ما تُناقش".

مع أن رضوي تتحدث عن الولايات المتحدة، يبدو هذا التوصيف منطبقاً إلى حدّ كبير على تدريس الإسلام في مدارسنا وجامعاتنا أيضاً. فإذا أشير إلى هذه الجوانب في مساقاتنا ومناهجنا، فإنها تُعرض بمعزل عن السياقات العالمية الأوسع والتفاعلات التي لا بد أن تكون قد غذتها، وكأننا الثقافة الوحيدة في العالَم. وغالباً ما يُحكى عن المنجزات الجمالية والدنيوية فقط لغرس وهم التفوق الذاتي على أساس الدين لا غير، وتخطيء الآخر واستصغار مساهمته -وحرمان العقل من فكرة الخيارات.

لا شك أن الأميركان، والكثيرين غيرهم، ينظرون الآن إلى الإسلام بعداء وخوف. لكن علينا أن نكون صريحين في تعقب الأسباب إلى كيفيات تدريس الإسلام عندنا أيضاً بهذه الكيفيات غير المبدعة، التي تبذر شعوراً بالازدراء والكراهية تجاه الأديان والثقافات الأخرى. وعندما أتيح لهذه الاتجاهات أن تفصح عن نفسها في شكل "الإسلام السياسي" و"الإسلام العنيف"، تألب علينا البلاء داخلياً وخارجياً، واستعدانا على أنفسنا قبل استعداء الآخرين.

تكتب رضوي: "في كتب تاريخ المدرسة الثانوية، هناك القليل من ذكر التاريخ المتشابك لأوروبا وآسيا وأفريقيا في العصور الوسطى وعصر النهضة. وهناك ذكر أقل لازدهار الفن والأدب والعمارة خلال ذلك الوقت... وفي كتاب عن تاريخ العالم يُدرَّس في المدارس الثانوية في نيويورك... يظهر ‘العالم الإسلامي’ في الفصل العاشر. وفي تكثيف لألف سنة من التاريخ -من القرن السابع إلى القرن السابع عشر- يركز الكتاب فقط على "الجيوش العربية" وصعود الإمبراطوريات الإسلامية الحديثة المبكرة".

هنا أيضاً، يركز تعليمنا تاريخنا على "الجيوش"، و"صعود الإمبراطوريات" والفتوحات في أراضي الآخر الضال، بينما تُهمَّش جوانب الحضارة ككيان ثري وعملي قادر على الأخذ والعطاء والتفاوض في عالَم متنوع. وباستثناء اختبار حفظ الطلبة للأركان والقوانين الشرعية، لا تُطرح رؤى لتخفيف النرجسية المفرطة التي تُحقن بها الذات الإسلامية، ويتم التغييب الكامل للثقافات والأديان والأفكار الأخرى، حتى الموجودة بيننا ومعنا كجزء من حضارتنا، في خيانة صريحة لفكرة أن المعرفة لا تهدد أساساً عقيدة تطلب العلم "ولو في الصين".

هذا العرض الناقص والموجَّة بجهل أو سوء نية للإسلام، في الغرب وهنا معاً، لا بد أن يُنجب سوء الفهم المفضي إلى العدوانية والكراهية في المكانَين. وهو الذي يجعل الجمهور المغيَّب وشيوخ الفتاوى يهتمون بالقدَم الأفضل لدخول الحمَّام أكثر من العناية بالمعرفة عن الفن والعمارة والمعمار الأدبي والثقافي في إطار الحضارة الإسلامية التي كان الدين مبدأها، وإنما ليس كلّها قطعاً. كما تُحارَب كل معرفة عن الاتجاهات والحوارات المستنيرة الكثيرة التي أسفر عنها المشهد الإنساني والدنيوي في تاريخنا، وكأننا أُمّة محرومة من نعمة الشك والاستنطاق الذكي.

تكتب رضوي: "من وجهة نظري، يمكن رسم صورة كاملة إذا لم تكن الهويات محددة فقط من خلال الدين. أي، يمكن للمعلمين التركيز على التبادلات بين الثقافات عبر الحدود من خلال الشعراء والفنانين والموسيقيين والمهندسين المعماريين. وفي كل من المدرسة والجامعة، يمكن للفنون -البصرية والموسيقية والأدبية- أن توضح الروابط المهمة بين الإسلام والتواريخ الأخرى للعالم".

غني عن البيان أن طلبتنا لا يُعرَّفون إلى هذه الأبعاد والتفاعلات كجزء ضروري من تكويننا الحضاري المعرَّف بالإسلام. وكان يمكنُ للمعرفة بهذه الأبعاد أن تُرسل الإدراك أبعد من حفظ التعاليم واستظهار النص إلى تذوُّق أعلى وأرقّ لهذا التكوين -إذا سمحَ بمثل ذلك العقل المتطرف السائد- للتصالُح مع الجانب الجميل فينا والمغيّب، كمواطنينَ للكوكب كالآخرين، بشخصية أنيقة، جذابة وعصرية المظهر والجوهر.

الغد

بعيدا عن “الجدل” الذي يدور حول اولوياتنا الوطنية، ارجو ان انبّه هنا الى مسألتين: احداهما ان الرسائل التي تصلنا من المجتمع، سواء عبر الشارع او الفضاء الالكتروني او التقارير الرسمية والاعلامية، تشير الى ان اغلبية الناس تشعر بحالة من “الضيق” لا على صعيد الاوضاع الاقتصادية التي اصبح “الغلاء” عنوانا لها، وانما ايضا على صعيد الاوضاع السياسية التي يبدو ان قنواتها اصبحت مقفلة، واوراقها مختلطة ومقارباتها غير مفهومة.

اما المسألة الاخرى فهي ان لواقط استقبالنا لمثل هذه الرسائل –على اهميتها- تبدو معطلة لدرجة ان البعض اصبح يخشى من اعتماد “رهانات” خاطئة لتمرير مقررات متسرعة.

لا مجال للدخول في التفاصيل هنا، فالقارىء يعرف تماما ما اعنيه “او هكذا افترض”، لكن لا بد من الاشارة الى مسألتين ايضا، احداهما: ان ما يجري في المنطقة من محاولات لاعادة رسم الخرائط وتحديد مناطق النفوذ وتنصيب اللاعبين الجدد، وان كانت لا تزال في طور “المخاضات” الا انها ترتب علينا الحذر من “الاسترخاء” في المنطقة الرمادية، واذا كان من الضروري الاستعداد لمواجهة هذه المستجدات من خلال اعادة “التموضع” سياسيا واستراتيجيا من اجل “التكيف” مع استحقاقات المرحلة وحركة اللاعبين الكبار و”الكفلاء” ايضا، فان من الضروري ايضا “تهيئة” الجبهة الداخلية لاستيعاب هذه التحولات وهضمها، او على الاقل الاستجابة لها بمنطق “المتفهم” لها والقادر على مواجهتها، وهذا يحتاج – بالطبع- الى استثمار مرحلة “الاسترخاء” الداخلي هذه في انضاج “مشروع” اصلاح توافقي، ينهي حالة الصراع على الاصلاح ويمهد للشروع في ترتيب البيت الداخلي وتأثيثه سواء على صعيد الاقتصاد واوضاعه المعروفة، او على صعيد الملفات الاخرى المتعلقة “بادارة الشأن العام” والفساد وقواعد اللعبة السياسية ايضا.

اما المسألة الاخرى فهي ان مجتمعنا الذي تعرض في السنوات المنصرمة لاهتزازات واصابات عديدة على مستوى “الوعي” و”القيم” والاحوال المعيشية ايضا، ثم سارع الى افراز افضل ما لديه من خلال مطالباته واحتجاجاته السلمية، يحتاج اليوم منا الى قرارات واجراءات لا الى مبادرات فقط.

واذا كان من المفهوم ان هذه القرارات تحتاج في الاطار الاقتصادي الى امكانيات ومقدرات ربما تبدو صعبة المنال فانها في بعدها السياسي لا تحتاج الى اكثر من ارادة ورغبة فاعلة، وهذه اعتقد انها متاحة ومقدور عليها ولا تستلزم اكثر من “توحيد” اراء المرجعيات والقوى السياسية الفاعلة عليها.

لا اريد مرة اخرى ان احدد المقررات المطلوبة في هذه المرحلة، فهي معروفة، لكن استأذن في الاشارة الى بعض العناوين، ومن ابرزها عنوان “الحريات” العامة، وعنوان “فتح القنوات” الرسمية، وعنوان “رفع حالة الاستقطاب”، وعنوان “ازالة حالة الاحتقان”، وهذه وغيرها تشكل محاولة “لترطيب الاجواء” وزحزحة الاحباط من صدور بعض من يشعر “بالظلم” او الخوف من المستقبل، كما تشكل عوامل ضرورية لاحياء “الهمة” الوطنية التي تعرضت لاصابات افقدتها كثيرا من حيويتها، ولاعادة “الامل” لدى قطاعات انتظرت طويلا ساعة “الفرج”، والاهم من ذلك انها تؤسس لحالة اردنية مختلفة تماما عما نتابعه حولنا سواء على صعيد المجتمعات المنقسمة على نفسها، او صراعات الملل والطوائف التي ارجعتنا قرونا للوراء، او الحروب والدماء ....

والحمد لله ان كل تلك الصور بعيدة عن مجتمعنا.... ومن واجبنا ان نفعل كل ما نستطيعه لكي نتجنبها ونحافظ على عافيتنا التي لا نزال نتمتع بها.

كان نيسان/ إبريل 2003 شهرا كئيبا وقاسيا في آن، إن صح لنا أن نستعير افتتاحية "الأرض الخراب"؛ وحتى بعد مرور خمسة عشر عاما على التاسع منه، ليس ثمة وسيلة للتخلص من مرارة يوم سقوط بغداد.

لم تكن الحرب على العراق مبررة، بأية صورة من الصور. ادعى الأمريكيون والبريطانيون أنهم يقومون بالحرب نيابة عن المجتمع الدولي، بهدف نزع أسلحة الدمار الشامل العراقية، التي تشكل خطرا على أمن العالم.

ولكن، لا وكالات الأمم المتحدة المتخصصة كانت أنهت عملها في العراق، ولا الولايات المتحدة وبريطانيا وجدت غطاء قانونيا دوليا، مهما كان هذا الغطاء هشاً، لتسويغ غزو بلد سيد ومستقل، يبعد عنهما آلاف الأميال.

كانت حربا في جوهرها أقرب إلى حروب إمبرياليات القرن التاسع، عندما كانت السفن البريطانية والفرنسية المسلحة تنطلق لغزو دول مثل الجزائر أو الصين، ليس لسبب سوى حدة استقبال الباي الجزائري للسفير الفرنسي أو مكافحة السلطات الصينية تجارة الأفيون.

الشعور الفادح بالمظلومية، وليس الانتصار لنظام البعث، هو الذي دفع آلاف الشبان العرب إلى العراق للقتال ضد الغزاة.

وبالرغم من المظاهرات الحاشدة التي شهدتها لندن ومدريد وعواصم غربية أخرى، رأى ملايين العرب والمسلمين في سقوط بغداد إهانة لكل واحد منهم.


والحقيقة، أن إيقاع الإهانة بالعرب والمسلمين كان دافعا أساسيا بين دوافع الحرب. لم يعد ثمة شك الآن، وبعد نشر نتائج عدد من التحقيقات الرسمية وغير الرسمية، في لندن وواشنطن، أن الرئيس الأمريكي آنذاك، جورج بوش الابن، ورئيس الحكومة البريطانية الأسبق، توني بلير، كانا يعرفان أن ليس ثمة سلاح دمار شامل في العراق؛ وإن وجد هذا السلاح، لم يكن لديهما ثمة دليل على وجوده.

ولكن بوش كان قد صمم على غزو العراق حتى قبل اندلاع الجدل حول السلاح؛ بينما وجد بلير أن لا مناص أمام بريطانيا سوى الالتحاق بالحليف الأمريكي التاريخي، بغض النظر عن المسوغات.


واعتاد نائب الرئيس الأمريكي يومها، ديك تشيني، الذي لعب دورا رئيسا في التحريض على الحرب، وزوجته، دعوة أكاديميين أو مثقفين كبار لمنزلهما صباح الأحد، لتناول الإفطار وإثارة نقاش حول مسائل تتعلق بالشأنين الأمريكي والعالمي.

أحد ضيوف تشيني، قبل فترة من اتخاذ قرار الحرب، كان المؤرخ البريطاني ـ الأمريكي العجوز برنارد لويس. ما قاله لويس لنائب الرئيس، معلقاً على هجمات الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر 2001، أن هناك مشكلة تواجه قيادة الولايات المتحدة للعالم في حقبة ما بعد الحرب الباردة، تتعلق بالعرب والمسلمين، على وجه الخصوص.

أقر معظم العالم، قال لويس، خلال القرن العشرين، بصورة أو أخرى، بانتصار النموذج الغربي، المستند إلى النمط الرأسمالي في الاقتصاد والقيم الليبرالية في الاجتماع والسياسة.

العرب والمسلمون هم الكتلة الثقافية الوحيدة التي ترفض الاعتراف بالانتصار الغربي ولم تزل تقاوم النموذج. للتعامل مع هذه المشكلة، اقترح لويس، لابد من إيقاع هزيمة ثقيلة الوطأة بالعرب والمسلمين، هزيمة لا تحتمل التأويل. ولم يكن مثل احتلال بغداد واستباحتها تعبيراً عن التباين الصارخ بين الانتصار والهزيمة.

ليست بغداد مقر دولة الإسلام لأكثر من خمسة قرون، وحسب، بل وحاضنة تاريخ العرب والمسلمين، فيها نضجت لغتهم وآدابهم، ولد فقههم، تبلورت قيمهم، وتشكلت رؤيتهم لأنفسهم وللعالم. وربما كان هذا ما أوحته كلمات توني بلير لقوات جيشه في مدينة البصرة، مباشرة بعد نجاح عملية الغزو والاحتلال، عندما قال أن هذه الحرب سترسم ملامح القرن الحادي والعشرين!


اليوم، يمكن القول، ربما، إن مشروع غزو العراق واحتلاله لم يؤت ثماره المرجوة في واشنطن ولندن؛ وأن برنارد لويس، على غير عادة المؤرخين، كان تسرع في توجيه نصيحته الخاصة جدا لنائب الرئيس. لم يخضع غزو العراق واحتلاله العرب والمسلمين، ولا صنع مجداً لبوش وبلير.

ولكن الحرب كانت كارثة بكل المقاييس، كارثة على من تعهدها وعلى شعوب المشرق ودوله، على السواء، كارثة لم تزدد بمرور السنوات إلا تفاقما.


لم تنته الحرب باحتلال العراق، بل ولدت سلسلة من الحروب الأخرى. نجح الأمريكيون والبريطانيون في الغزو بتكلفة قليلة نسبيا، ولكنهم لم يستطيعوا السيطرة على العراق قط. ولطبيعة التحالفات التي مهدت للحرب، التي منحت فيها القوى الكردية والشيعية السياسية موقعا بارزا، أدى الاحتلال، بإرادة أو دون إرادة أمريكية، إلى تقويض ما تبقى من اللحمة الوطنية العراقية.

أطاح المحتلون الدولة العراقية ومؤسساتها، وأفسحوا المجال واسعاً لاندلاع حرب أهلية عراقية، صعود مناخ طائفي غير مسبوق في تاريخ العراق الحديث، واندلاع صراع عراقي- عراقي مديد على السلطة والقوة والموارد.

ولأن مقاليد العراق سلمت لقوى طائفية، وأن دولته الجديدة بنيت على أساس من المحاصصات المذهبية والإثنية، لم يستطع العراق حتى اللحظة استعادة وحدته. مظلومية الحرب والإهانة التي استبطنتها، من جهة، والفشل في إدارة العراق وتصاعد حدة الصراع الطائفي والإثني، من جهة أخرى، هي التي سمحت ببروز القاعدة السريع في العراق، والتي انتهت، بعد عدد من التحولات، إلى ولادة داعش وما تمثله من وحشية وإيمان عدمي.


تحول العراق سريعا بعد الاحتلال إلى منطقة فراغ استراتيجي، ومصدر خلل كبير في توازنات قوى الإقليم. ولم يكن سوى إيران من يستطيع ملء هذا الفراغ، بعد أن أولت الدول العربية العراق ظهرها، ووضعت كامل ثقتها في الحليف الأمريكي.

عززت إيران المناخ الطائفي الذي ولده الغزو والاحتلال، وعملت على تأسيس العشرات من الجماعات الطائفية المسلحة، التي لم تقل في سلوكها بشاعة وعدمية عن داعش.

ولم تلبث الصنائع الميليشياوية، وخضوع الطبقة السياسية الطائفية وخوفها من بطش الحليف الإيراني، أن ساعدت إيران على اختراق بنية الدولة العراق الجديدة والتحكم في مفاصلها.

عندما غادر الأمريكيون بعد سنوات ثمان من الإخفاق، كان العراق أصبح رسمياً، وباعتراف دولي ضمني، منطقة نفوذ إيراني.

السيطرة على العراق هي التي نقلت الثقة الإيرانية بالنفس إلى مستوى من الغرور والصلف، وهي التي صنعت الظروف المواتية لرفع وتيرة النشاط الإيراني الطائفي في الخليج والجزيرة العربية واليمن، والتدخل الإيراني الدموي في سوريا. ولم يكن التوسع الإيراني وحده من أفاد من كارثة إسقاط العراق.

فعلى الجانب الآخر، وفر التشظي الطائفي والإثني، وانشغال العرب بأنفسهم، فرصة لصعود إسرائيلي غير مسبوق، وحرب وراء أخرى تعهدتها إسرائيل ضد لبنان وسوريا وقطاع غزة، عملت هي أيضاً على نشر الخراب وسفك المزيد من الدماء.


غادر الأمريكيون العراق بعد خسائر فادحة في أرواح الجنود والمعدات، والثمن المالي الباهظ. ولكن غرقهم في العراق كان مناسبة لنهاية التفرد الأمريكي، قصير العمر، في الشأن العالمي.

وعندما عاد الأمريكيون للعراق والشرق الأوسط، باسم مكافحة الإرهاب، كانت حربهم في العراق وعواقبها أوقعت دمارا أسطوريا في عشرات المدن والبلدات العربية، من العراق وسوريا إلى اليمن ولبنان وغزة، أودت بحياة مليونين على الأقل من أبناء شعوب المشرق، وصنعت حالة من الانقسامات والصراعات الداخلية، التي لا يبدو لها من نهاية.

حاول العرب في حركة الثورة والتغيير احتواء سلسلة الكوارث التي ولدتها كارثة العراق. ولكن أنانية الطبقات الحاكمة العربية، وخيانة الغرب الليبرالي، أغرقت حركة الثورة والتغيير في شلال أكبر من الدماء.


تمر البلدان العربية الثلاثة: سوريا والعراق ولبنان، بمرحلة انتقالية خطيرة تتزايد خلالها الأخطار على وحدتها وهويتها ومستقبلها بمقادير تفوق الأهوال التي تعرضت لها في السنوات الست الماضية.

فسوريا في نزاعها الداخلي الطويل بين النظام وخصومه المتعددين، تصل إلى وضع تقاسم وتقسيم بين إيران وتركيا وقوات النظام وميليشياته، والقسم المنفصل في شرق الفرات، والذي يسيطر فيه الأكراد وتشرف عليه وتحميه القوات الأمريكية؛ بينما يشرف على الأقسام الثلاثة الأُولى الروس بقواعدهم وطيرانهم وميليشياتهم أيضا. وتبقى منطقتان، منطقة إدلب وجوارها، والتي تسود فيها التنظيمات المسلَّحة، ولا يزال المهجَّرون يتدفقون عليها، وتضغط عليها قوات النظام والإيرانيون والروس، ومنطقة جنوب دمشق والممتدة إلى الحدود الأردنية والعراقية والأُخرى الإسرائيلية، والإدارة فيها خليطٌ من التنظيمات المسلَّحة، والجهات المتهادنة مع الأردن أو النظام أو إسرائيل. وبعد الانتهاء من الغوطة الشرقية بالحصار والقتل والتهجير، يُنتظر أن تصبح منطقتا إدلب وجنوب دمشق، هما الهدفين للنظام وميليشياته وللإيرانيين وميليشياتهم. ففي إدلب التي تضاعف عدد سكانها ثلاثة أضعاف بالتهجير المنتهج إليها، ستكون الحجة للهجوم عليها أنّ فيها تنظيمات متطرفة. أما في الجنوب فستكونُ الحجة إضافة إلى وجود المتطرفين، إرادة مضايقة إسرائيل من جهة، وأمريكا في الجهات المحاذية للحدود العراقية على أطراف البادية وفيها قواعد أمريكية في امتدادها نحو شرق الفرات من الجهة الأُخرى.

ما مآلاتُ الوضع في سوريا في الشهور القادمة من عام 2018؟ مع تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وروسيا في كل مكان وبخاصة في سوريا؛ فإنه من المنتظر أن يزدادَ التحالُف الروسي مع إيران وتركيا في سوريا بالذات. ولذلك يكون من المتوقَّع أولا أن تتهدَّد إدلب والمناطق المجاورة لها لجهتي حلب وحمص. وسيُعهد إلى تركيا التحرش بمناطق الحماية الأمريكية؛ في حين يمضي النظام والإيرانيون يحميهم الطيران الروسي باتجاه دواخل إدلب بعد أطرافها. والمعروف أنه في كل منطقة تتقدم نحوها قوات النظام؛ فإنّ الإيرانيين يكونون هم الموجودين فيها مع ميليشياتهم المعروفة من لبنان والعراق وأفغانستان وباكستان، كما يحدث الآن في الغوطة، وسيحدث في إدلب وما وراءها باتجاه الحدود العراقية.

وإذا كان المشهد الذي يتطور إلى هذه الآفاق المسدودة لسوريا وعلى سوريا؛ فإنه أفظع وقد يكون أخطَر على العراق ولبنان. فالسلطات فيهما، وقد سادهما استقرارٌ هشّ، خاضعة، من خلال التسويات شبه السياسية، لإيران والميليشيات الموالية لها أو الخاضعة في البلدين. وهناك مرحلة انتقالية جديدة للبلدين وفي البلدين الآن من خلال الانتخابات البرلمانية التي تجري فيهما في شهر مايو (أيار) القادم. إذ تأملُ إيران أن ينجح فيها حلفاؤها العراقيون، فلا يعود لمعارضيها الشيعة والسنة صوتٌ يمكن رفْعُه. السنة ازدادوا ضعفا وتهجَّر ثلثهم بالحروب على «داعش» وعليهم، والأكراد ما عادوا قوة خارج مناطقهم. أما في مناطقهم فهم منقسمون إلى طالبانيين موالين لإيران، وبارزانيين ما عاد لهم حلفاء بعد أن تخلّى عنهم الأمريكيون وتخلّى عنهم أردوغان. وصحيح أنّ هناك انقساما في الدواخل الشيعية، لكنّ الإيرانيين شديدو التغلغُل في كل النواحي والجهات والأوساط. هناك ضغوطٌ الآن لإخراج الأمريكيين من العراق، ودعواتٌ لكي تحكم العراقَ من جديد الأكثريةُ الشيعية. وفي حين يصمتُ العبادي عن الوجود الأمريكي، اضطُرّ إلى رفع الصوت ضد فكرة الأكثرية، ولصالح التوافُق، إذ إنّ العراق لا يمكن حكمه إلاّ بالتوافق، الذي يكون للجميع مصلحة فيه، وليس لفريق دون فريق. إنما وكما سبق القول؛ فإنه ما استطاع استعادة نوع من التوازن مع الأكراد، والقوة الانتخابية للسنة ازدادت ضعفا وزُهدا في التصويت، بحيث لا تستطيع دعمه بحقّ رغم توافقيته المعلنة. وعلى سبيل المثال؛ فإنه وبعد المذابح والتهجير والتخريب والنهب في المناطق السنية، عمد القضاءُ العراقي الآن وقبل الانتخابات إلى مصادرة أملاك عدة آلاف من العراقيين بحجة تطبيق قانون اجتثاث «البعث»؛ علما بأنّ نصف تلك الملكيات وقعت بين عامي 2003 و2005 بأيدي مسؤولين وجماعات وميليشيات شيعية، ولا تستطيع الحكومة بالفعل أن تستعيد تلك الأملاك ممن سيطروا عليها، فما الحاجة إلى إثارة هذه المسألة الآن، إلاّ إذا كانت تزهيد السنة في التصويت والتبكيت!

ورغم ذلك كلِّه؛ فإنّ الآمالَ المعقودة على إحداث توازُن من نوع ما في المشهد العراقي، بعكس حالة لبنان الذي يمضي بعيدا باتجاه المحور الإيراني. فعلى الأقلّ هناك قانون انتخابات في العراق يتّسم ببعض الطبيعية والمسؤولية، والأمر على العكس من ذلك تماما في لبنان. فقبل عدة أشهر اصطنع البرلمان اللبناني قانونا عجيبا غريبا خضع لمصالح فريقين رئيسيين في التسوية السياسية التي قام عليها العهد والحكومة الحالية هما التيار الوطني الحر و«حزب الله». تمثلت مصلحة التيار الوطني الحر (برئاسة الوزير جبران باسيل، صهر رئيس البلاد) في فصل المسيحيين عن المسلمين في معظم المناطق اللبنانية في طريقة تشكيل الدوائر. وتمثلت مصلحة «حزب الله» و«حركة أمل» في حصر التمثيل الشيعي بهما، وضمّ الأقليات المسيحية والسنية في مناطق سطوتهم إلى لوائحهم؛ بحيث يطمحون لأن يكون لديهم إضافة للـ27 شيعيا، نحو 20 مسيحيا وسنيا، فيصبحون وحدهم مع التابعين لهم مباشرة نحو ثلث مجلس النواب (عدد أعضائه 128). وأُضيفت إلى القانون العتيد: النسْبية والصوت التفضيلي، ليزداد خصوم الفريق الشيعي ومنافسوه تَشرذُما بكثرة اللوائح من الشبان الطامحين والمهمشين، بحيث لا يعود هناك فريقٌ رئيسٌ لدى السنة الذين لا يشبه تيارهم الرئيس (تيار المستقبل) الأحزاب الصارمة المسيطرة على محازبيها، شأنَ الآخرين في اللعبة الانتخابية، وبحيث يصبح التنافس ليس بين اللوائح المختلفة، بل داخل كل لائحة (بسبب الصوت التفضيلي بالذات!).

«حزب الله» وحلفاؤه مسيطرون على المرفأ والمطار ومؤسسات الدولة والجيش من سنوات. وللتيار الوطني الحر (الفريق الرئيسي عند المسيحيين) سيطرة تالية لسيطرة الحزب، دعمها في عهد الحكومة الحالية بحجة استرجاع حقوق المسيحيين من السُّنة بالذات. وحجة رئيس الحكومة في تقبل ذلك كلّه، حفظ الاستقرار، ومحاباة حليفه الرئيس عون، وأنّ هذه الحكومة هي في النهاية حكومة تسوية، والتسوية تتطلب تنازُلات، لكنها حتى الآن من طرف واحد. إنما لماذا وافق رئيس الحكومة إضافة إلى ذلك كلّه على قانون الإضعاف الانتخابي هذا؟

إنّ أهداف التيار الوطني الحر محلّية وترمي لاستعادة العصبية المسيحية. أما أهداف «حزب الله» وحلفائه، فتقصد إلى أن يحصلوا مع حلفائهم على أكثرية في مجلس النواب، تدعم «شرعية» سلاح الحزب، وتتيح إصدار قوانين قد تُحوِّل هوية لبنان ونظامه. وقبل أيام قال أمين عام الحزب لوفد إيراني إنّ لبنان في الأصل فيه كثرة شيعية، وإنما تحول كثيرون منهم بسبب الاستضعاف في الماضي فصاروا مسيحيين أو سنة. أما الآن فالشيعة في ذروة قوتهم في لبنان والمنطقة، بسبب السياسات المباركة للولي الفقيه! والمعروف أنه بسبب التضييق الدولي والعربي على الحزب واعتباره تنظيما إرهابيا؛ فإن تمثيله في البرلمان والحكومة لا يعكس في نظره قوته الحقيقية، أما الآن فقد بدأت أصواتٌ ترتفع بأنه لن يقبل في حكومة ما بعد الانتخاب إلاّ وزارات رئيسية؛ فكيف ستتعامل الدول مع وزير للخارجية أو المالية أو الداخلية أو الدفاع من الحزب؟

سوريا العربية مهدَّدة في انتمائها وديموغرافيتها ووحدتها. والعراق مهدَّدٌ في انتمائه وديموغرافيته واستمرار وتنامي التوتر والتطرف فيه. ولبنان الطائفي أصلا مهدَّدٌ بسبب اصطناع غلبتين أو عصبيتين شيعية ومسيحية؛ تُستنسَخ فيه بقوة الغلبة قوانين انتخابية تزوّر إرادة الناخبين لإنتاج نظام لا يُشبههُ ولا يمثّله أبدا! فيا للعرب!

الشرق الأوسط اللندنية

كاريكاتير

أغوار TV

 

الحياة في صور

أغوارنيوز | صوت الناس